ابن أبي الحديد

184

شرح نهج البلاغة

وإن أمكن تأويلها على لين كلامه وسماحة أخلاقه ، إلا انها غير لائقة به عليه السلام . وقال قوم : هو أبو ذر الغفاري واستبعده قوم ( لقوله : فإن جاء الجد فهو ليث عاد ، وصل واد ) ، فإن أبا ذر لم يكن من الموصوفين بالشجاعة ، والمعروفين بالبسالة . وقال قوم : هو المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود ، وكان من شيعة علي عليه السلام المخلصين ، وكان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة ، وقد ورد في فضله حديث صحيح مرفوع . وقال قوم : إنه ليس بإشارة إلى أخ معين ، ولكنه كلام خارج مخرج المثل ، وعادة العرب جارية بمثل ذلك ، مثل قولهم في الشعر : فقلت لصاحبي ، ويا صاحبي ، وهذا عندي أقوى الوجوه . [ نبذ من الأقوال الحكمية في حمد القناعة وقلة الاكل ] وقد مضى القول في صغر الدنيا في عين أهل التحقيق ، فأما سلطان البطن ومدح الانسان بأنه لا يكثر من الاكل إذا وجد أكلا ، ولا يشتهى من الاكل ما لا يجده ، فقد قال الناس فيه فأكثروا . قال أعشى باهلة يرثى المنتشر بن وهب : طاوي المصير على العزاء منصلت * بالقوم ليله لا ماء ولا شجر ( 1 ) تكفيه فلذة لحم إن ألم بها * من الشواء ويروى شربه الغمر ولا يبارى لما في القدر يرقبه * ولا تراه أمام القوم يفتقر

--> ( 1 ) الكامل للمبرد 4 : 65 ، المصير : واحد المصران . والعزاء : الامر الشديد .